منوعات

المرايا المكسورة

بعد عشر سنين جواز بقيت احسن انى مش عايز مراتى مابقتش احبها بقيت اقارن بينها وبين زمايلى فى الشغل ومراتات اخواتى
علاقتى بيها بقت انتقادات ليه ماتبقيش زى فلانه وليه ماتصبغيش شعرك زى مرات اخويا
البسى كذا وقلعى كذا
وهى كانت بتنفذ كلامى كانت بتحاول تطاوعنى عشان مازعلش وتعملى اللى انا عايزه لكن كل اما تعمل حاجه واحسها مش لايقه عليها بيزيد كرهى ليها
الموضوع بدأ يتطور من مجرد “زهق” لـ “قسوة” مكنتش واخد بالي منها.. بقيت أدخل البيت عيني بتدور على الغلطة، كأني مراقب جودة مش زوج.

نهلة كانت ست طيبة، ملامحها هادية، ومن كتر ما هي بتحبني كانت بتمحي شخصيتها عشان ترضيني. لما كنت أقولها: “شوفي مرات أخويا صابغة شعرها أصفر ووشها منور إزاي؟”، كانت تاني يوم تروح الكوافير وتعمله، ولما ترجع وألاقي اللون مش لايق على بشرتها القمحية، كنت بتبسم بسخرية وأقولها: “برضه مش زايها.. الصبغة دي عايزة وش أبيض، إنتي طفيتي وشك زيادة”.
كنت بشوف الدمعة في عينيها وهي بتبص في المراية، بس قلبي كان حجر. بقيت أقارن شياكة زميلتي في الشغل اللي بتصرف نص مرتبها على لبسها، بـ نهلة اللي هدومها فيها بقع صلصة أو ريحتها بصل وهي بتطبخ لي الأكلة اللي بحبها.

نسيت إن “فلانة” دي وراها جيش بيخدمها، ونهلة هي الجيش اللي شايل بيتي وعيالي لوحدها.
في يوم، قولت لها كلمة كانت هي القشة اللي قصمت ظهر البعير:
“إنتي بقيتي مملة يا نهلة.. مفيش فيكي حاجة بتشدني، بقيت بحس إنك حتة من عفش البيت، موجودة وخلاص، بس مفيش حياة.”
سكتت خالص.. مابكتش المرة دي. بصت لي نظرة غريبة، نظرة “وداع” وأنا مش فاهم. وبعدها بأسبوع، رجعت من الشغل ملقتش حد في البيت.. لا هي ولا الولاد.قصص وروايات أمانى سيد احمد
لقيت ورقة صغيرة على السفرة مكتوب فيها:

“أنا حاولت أكون ‘كل الستات’ اللي إنت شفتهم، ونسيت أكون ‘نهلة’ اللي إنت اتجوزتها وحبيتها زمان. النهاردة أنا قررت أرجع لنفسي، وعشان أرجع لنفسي، لازم أمشي من عندك.. لأنك بقيت مراية مكسورة، كل ما أبص فيها بشوف نفسي وحشة وبشعة.”
في الأول قولت في سري: “أحسن، أهي ريحت واستريحت، غمة وتنزاح
وقررت استغل الوضع ده وأطلقها وادور على غيرها
وفعلاً طلقتها
بعد ما الورقة دي وقعت من إيدي، محستش بالندم اللي بيجي في الروايات، بالعكس، حسيت بـ “نشوة” غريبة.. كأني كنت في سجن وفتحت الباب لنفسي. قولت لوليد صاحبي في التليفون:

“خلاص يا عم، نهلة مشيت بكرامتها، وأنا مش هضيع وقت، هطلقها رسمي وأبدأ حياتي اللي كان نفسي فيها.. عايز أعيش بقى!”
وفعلاً، مكدبتش خبر، خلصت إجراءات الطلاق في أسرع وقت. كنت فاكر إن الدنيا هتفتح لي دراعاتها، وإن “فلانة” الزميلة الشيك، أو الواحدة اللي شبه “مرات أخويا” هيبقوا طوع إمري.
بدأت أخرج، أسهر، وأحاول ألفت نظر الستات اللي كنت بقارن نهلة بيهم. بس الصدمة بدأت بدري أوي..

أول واحدة عرفتها بعد الطلاق، كانت “نسخة” من اللي كنت بتمناه. شياكة، صبغة شعر مظبوطة، ولبس على الموضة. بس لما قربت، لقيت إن الشياكة دي ليها “تمن”. كانت بتبص لي كأني “بنك” متحرك. لما كنت أتعب أو أحب أرخي جسمي وأحكي همومي، كانت بتقولي ببرود: “فكك من النكد ده، خلينا نتبسط، أنا مش جاية أسمع مشاكل شغل!”
بدأت أحس بفرق السما والارض. نهلة كانت بتسمعني وهي صاحية من الفجر، كانت بتطبطب على كتفي وريحة البصل في إيديها بس حنيتها في قلبها.قصص وروايات أمانى سيد
البيت اللي كنت فاكره هيبقى “جنة” بعد ما مشيت، بقى عبارة عن خرابة.

الأكل الجاهز كبس على نفسي، والولاد بقوا بيجولي زي الضيوف، عينيهم فيها لوم بيكسرني.
بعد ست شهور، كنت ماشي في المول، وشفت ست من ضهرها.. الرشاقة، اللبس الهادي الراقي، والثقة في المشية خلت قلبي يدق. قولت في سري: “هي دي الست اللي بجد!”.
لما لفت وشها، الدنيا اسودت في عيني.. كانت نهلة!
بس مش نهلة اللي سابتني. رجعت لـ لون شعرها الطبيعي اللي كان لايق عليها، وشها كان “رايق” ومورّد، مفيش فيه علامات الخوف من انتقادي. كانت بتضحك من قلبها وهي بتكلم أختها.
قربت منها وأنا مش حاسس بنفسي، قولت بصوت مهزوز:
“نهلة؟

إنتي احلويتي كدة إزاي؟”
بصت لي بنظرة خالية من أي وجع، نظرة حد “نسي” أصلاً إنه كان يعرفني، وقالت بهدوء يحرق:
“أنا ملوّيتش يا وليد.. أنا بس رجعت أحب نفسي بعد ما بطلت أشوفها بعيونك المريضة. لما مشيت من عندك، اكتشفت إن المشكلة مكنتش فيا، المشكلة كانت فيك إنت.. إنت اللي كنت بتموت الجمال في كل حاجة تلمسها.”
وقفت مكاني مشلول، وهي مشيت وسابتني.. في اللحظة دي بس، عرفت إني مطلقتش ست عادية، أنا طلقت “الأمان” اللي ملوش تمن، وجريت ورا “قشور” ملقتش فيها غير الوحدة.
وقفت مكاني مشلول، الكلمة رنت في ودني زي الجرس..

“إنت اللي كنت بتموّت الجمال”.
بدأت أراقبها من بعيد وهي ماشية، كأني بشوفها لأول مرة. مكنتش مصدق إن دي الست اللي كنت بقول عليها “عفش بيت”. حركتها خفيفة، ضحكتها ليها رنة، والناس بتبص لها بإعجاب وهي مش مهتمة بحد.
روحت البيت، والسكوت كان بيصرخ في وشي. دخلت المطبخ، ريحة الأكل الجاهز “تغمّ” النفس، والبيت مكركب.. مفيش اليد اللي كانت بتطبطب على كل ركن. قعدت على السرير وفتحت صورنا القديمة، وبدأت أركز في ملامحها قبل ما “أهريها” انتقادات. كانت جميلة فعلاً، بس أنا اللي كنت باصص بالغل، كنت عايز “مانيكان” مش “بني آدمة”.
تاني يوم، مكدبتش خبر..

روحت لها عند بيت أهلها.
وقفت قدام الباب وأنا كلي كسرة، أول ما فتحت لي وشها اتخطف، وقالت بحدة:
“جاي ليه يا وليد؟ إحنا خلاص مابقاش بيننا غير الولاد، وأي كلام يخصهم خليه مع المحامي.”
قولتلها بصوت مهزوز:
“نهلة.. أنا كنت غبي. أنا شفتك امبارح وعرفيت إني ضيعت جوهرة عشان شوية قشور. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان نرجع، هغير كل معاملتي، مش هفتح بقي بكلمة نقد واحدة.. ارجعي عشان البيت وعشان الولاد.”
بصت لي بابتسامة سخرية وجعتني أكتر من الشتيمة، وقالت:
“عشان الولاد؟ ولا عشان ملقتش حد يخدمك ويسمع قرفك؟ وليد..

إنت مش جاي عشان حبيبتك نهلة رجعت، إنت جاي عشان ‘نهلة الجديدة’ عجبتك، عشان بقيت ‘شيك’ وزي الستات اللي كنت بتبص عليهم. يعني إنت لسه زي ما إنت، بتبص للي بره وبس.”
قربت منها وقولت بلهفة:
“والله لأ.. أنا عرفت قيمتك بجد لما البيت فِضي عليا.”
ردت عليا بمنتهى القوة:
“البيت فِضي عشان إنت اللي طردت الروح منه يا وليد. وعارف أنا احلويت ليه؟ عشان بطلت أسمع (ليه متبقيش زي فلانة)، بقيت أنا (فلانة) اللي الكل بيتمنى يكلمها.

أنا دلوقتي في حياتي حد بيحبني لشخصي، بيشوفني حلوة وأنا لسه صاحية من النوم، وبيشوف لبسي شيك حتى لو بسيط.. حد مبيقارنيش بحد، لأنه شايفني ‘الدنيا’ كلها.”
الكلمة نزلت عليا كأنها صاعقة: “في حياتي حد تاني؟”
قولتلها بذهول: “انتي لحقتي؟”
قالت ببرود: الكاتبه امانى سيد
“أنا ملحقتش.. النصيب هو اللي جه. إنت طلقتني ورميتني، وهو لقاني وداوى اللي إنت كسرته. روح يا وليد، دور على (الصبغة الصفراء) و(اللبس اللي على الموضة) في حتة تانية، لأن ‘نهلة’ اللي كانت بتسمع كلامك ماتت، واللي واقفة قدامك دي..

خلاص مبقتش بتاعتك.”
قفلت الباب في وشي، وسابتني واقف في الممر لوحدي، عرفت ساعتها إن الندم ملوش لازمة لما السهم يخرج من القوس.. وإن الست اللي بتكسرها عشان “تصلحها” على مزاجك، لما بتصلح نفسها بجد، أول حاجة بتعملها إنها بتمسحك من حياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى